الشنقيطي

53

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ، الآية إلى غيرها مما تقدّم من الآيات ، وقد علمنا ذلك من استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به صلى اللّه عليه وسلم ، ثمّ يشير إلى أنّ المراد عموم حكم الخطاب للأمّة ، كقوله في أوّل سورة الطّلاق : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [ الطلاق : 1 ] ، ثمّ قال : إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطلاق : 1 ] الآية ، فدلّ على دخول الكلّ حكما تحت قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ، وقال في سورة التحريم : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [ التحريم : 1 ] ، ثم قال : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [ التحريم : 2 ] ، فدلّ على عموم حكم الخطاب بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ، ونظير ذلك أيضا في سورة الأحزاب في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [ الأحزاب : 1 ] ، ثمّ قال : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 2 ) [ الأحزاب : 2 ] ، فقوله بِما تَعْمَلُونَ يدلّ على عموم الخطاب بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ، وكقوله وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ [ يونس : 61 ] ، ثم قال : وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً [ يونس : 61 ] ، الآية . ومن أصرح الأدلّة في ذلك آية الرّوم ، وآية الأحزاب ، أما آية الرّوم فقوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [ الروم : 30 ] ، ثمّ قال : * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [ الروم : 31 ] ، وهو حال من ضمير الفاعل المستتر ، المخاطب به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قوله : فَأَقِمْ وَجْهَكَ ، الآية . وتقرير المعنى : فأقم وجهك يا نبيّ اللّه ، في حال كونكم منيبين ، فلو لم تدخل الأمة حكما في الخطاب الخاصّ به صلى اللّه عليه وسلم لقال : منيبا إليه ، بالإفراد ، لإجماع أهل اللّسان العربيّ على أن الحال الحقيقية أعني الّتي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفرادا وجمعا وثنية ، وتأنيثا وتذكيرا ، فلا يجوز أن تقول : جاء زيد ضاحكين ، ولا جاءت هند ضاحكات ، وأما آية الأحزاب ، فقوله تعالى في قصة زينب بنت جحش الأسدية رضي اللّه عنها : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها [ الأحزاب : 37 ] ، فإنّ هذا الخطاب خاصّ بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وقد صرّح تعالى بشمول حكمته لجميع المؤمنين في قوله : لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ [ الأحزاب : 37 ] ، الآية ، وأشار إلى هذا أيضا في الأحزاب بقوله : خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ الأحزاب : 50 ] ، لأّن الخطاب الخاصّ به صلى اللّه عليه وسلم في قوله : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [ الأحزاب : 50 ] ، الآية ، لو كان حكمه خاصا به صلى اللّه عليه وسلم لأغنى ذلك عن قوله : لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ ، كما هو ظاهر . وقد ردّت عائشة رضي اللّه عنها على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق ، بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيّر نساءه فاخترنه ، فلم يعدّه طلاقا مع أنّ الخطاب في ذلك خاصّ به صلى اللّه عليه وسلم ، في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ [ الأحزاب : 28 ] ، الآيتين . وأخذ مالك رحمه اللّه بينونة الزوجة بالردة من قوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] ، وهو خطاب خاصّ به صلى اللّه عليه وسلم .